سراج الدين بن الوردي

56

خريدة العجائب وفريدة الغرائب

--> رقادة مركز المقاومة السنّي ، وأسس مدينة جديدة عرفت باسم " المهدية " في سنة ( 303 ه - 915 م ) على طرف الساحل الشرقي لإفريقية ( تونس ) فوق جزيرة متصلة بالبر ، ولم ينتقل إليها إلا في سنة ( 308 ه - 920 م ) بعد أن استكمل بناءها وتشييدها ، وأقام تحصيناتها ومرافقها المختلفة ، وأصبحت المهدية قلعة حصينة للفاطميين بالمغرب ومركزا لعملياتهم الحربية والبحرية ، وظلت حتى مطالع العصر الحديث أكبر مركز إسلامي للجهاد في البحر المتوسط . ( 88 ) لا يستطيع أحد القطع برأي حاسم في نسب " عبيد اللّه المهدي " ، فالشيعة الإسماعيلية يؤكدون صحة نسبه إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق ، في حين يذهب المؤرخون من أهل السنّة وبعض خصوم الفاطميين من الشيعة إلى إنكار نسب عبيد اللّه إلى علي بن أبي طالب . خرج عبيد اللّه المهدي من مكمنه في " سلمية " من أرض حمص ببلاد الشام في سنة ( 292 ه - 905 م ) ، واتجه إلى المغرب ، بعد الأنباء التي وصلته عن نجاح داعيته أبي عبد اللّه الشيعي في المغرب ، وإلحاح كتامة في إظهار شخصية الإمام الذي يقاتلون من أجله ، وبعد رحلة شاقة نجح عبيد اللّه المهدي في الوصول إلى " سجلماسة " متخفيا في زي التجار ، واستقربها . ومن ملجئه في سجلماسة في المغرب الأقصى أخذ عبيد اللّه المهدي يتصل سرا بأبي عبد اللّه الشيعي الذي كان يطلعه على مجريات الأمور ، ثم لم يلبث أن اكتشف " اليسع بن مدرار " أمير سجلماسة أمر عبيد اللّه ؛ فقبض عليه وعلى ابنه " أبي القاسم " وحبسهما ، وظلا في السجن حتى أخرجهما أبو عبد اللّه الشيعي بعد قضائه على دولة الأغالبة . وكان أبو عبد اللّه الشيعي حين علم بخبر سجنهما قد عزم على السير بقواته لتخليصهما من السجن ، فاستخلف أخاه " أبا العباس " واتجه إلى سجلماسة ، ومر في طريقه إليها على " تاهرت " حاضرة الدولة الرسمية فاستولى عليها ، وقضى على حكم الرّستميين ، وبلغ سجلماسة - فحاصرها حتى سقطت في يده ، وأخرج المهدي وابنه من السجن . ويذكر المؤرخون أن أبا عبد اللّه الشيعي حين أبصر عبيد اللّه المهدي ترجّل وقابله بكل احترام وإجلال ، وقال لمن معه : هذا مولاي ومولاكم قد أنجز اللّه وعده وأعطاه حقه وأظهر أمره . وأقام أبو عبد اللّه الشيعي وعبيد اللّه المهدي في سجلماسة أربعين يوما ، ثم رحلوا عائدين فدخلوا رقادة في يوم الخميس الموافق ( 20 من شهر ربيع الآخر 297 ه - 7 من يناير 910 م ) . وخرج أهل القيروان مع أهل رقادة يرحبون بالإمام المهدي ، وفي يوم الجمعة التالي أمر عبيد اللّه أن يذكر اسمه في الخطبة في كل من رقادة والقيروان ، معلنا بذلك قيام الدولة الفاطمية . استهدف عبيد اللّه الفاطمي منذ أن بويع بالخلافة واستقامت له الأمور أن يدعم مركزه ، وأن تكون كل السلطات في يديه ، وأن يكون السيد المطلق على الدولة الناشئة والدعوة الإسماعيلية ، وأنشأ دولة بدهائه وذكائه قبل سيفه وقوته . وخاب أمل أهل المغرب في عبيد اللّه المهدي ، وساء ظنهم به بعد أن ذهبت الوعود التي وعدهم بها أبو عبد اللّه الشيعي سدى ، فلم ينقطع الفساد